الفصـل التاسع


بعد منتصف النهار، عبرت تلك المجموعة من الرجال الملثمين، والذي لا يتجاوز عددهم العشر، الطرقات التي تقطع أحياء مدينة سِن بصمت تام وخطوات متسللة.. ورغم ازدحام الشوارع بالسكان المحليين، إلا أن أحداً منهم لم يعبأ بذلك وهم يعبرون الشوارع والأزقة بصمت..
وبعد أن عبروا عدة أحياء، وقد اقتربوا من جانب الحي الغربي للمدينة، وقد تبدّت لأعينهم على مبعدة منطقة وسط المدينة حيث يربض جيش الغزاة بمبانيه المتعددة، توقف اثنان منهما وهما يتلفتان حولهما للحظات، ثم قال أحدهما للآخر "هذا هو الموقع.. سنبدأ خلال لحظات"
قال الآخر بشيء من القلق "أأنت واثق أنك تريد المضيّ في هذه العملية الخطرة؟ يمكننا الانسحاب الآن قبل أن تندلع الأحداث هنا"
قال الأول بشيء من العصبية "لم يعد هذا وارداً.. أخبرتك ألا فائدة مما تقوله.."

وانطلقا بصمت تام مخترقين أزقة ذلك الحي وقد تفرقا عن رفاقهم.. وفي تلك الأثناء، وقفت إحدى الدوريات قرب أحد أزقة ذلك الحيّ على مبعدة من الموقع السابق وقائدها يرفع تقريراً لقيادته بكل ما جرى في هذا النهار، بينما هبط جنود الدورية من المركبة وهم يقفون قريباً منها بأسلحتهم يراقبون المارة من المحليين والذين كانوا يحاولون الإسراع في خطوهم والابتعاد عن الدورية قدر الإمكان.. فقال قائد الدورية عبر جهاز الاتصال "من الدورية السابعة عشر إلى مركز المراقبة.. كل الأمور مستتبة ولا أثر لأي شغب أو مخالفة.. سنقوم بجولة أخرى بعد وقت قصير وسأرفع تقريري بعدها..”
ظل يستمع لجهاز المراقبة بصمت، بينما لكز أحد الجنود رفيقه وهو يشير لبداية الشارع الذي يقفون فيه، حيث بدا رجل من المحليين يركض تجاههم بشكل حثيث.. ولما اقترب من الدورية ارتفعت الأسلحة في وجهه وأحد الجنود يهتف به "قف مكانك..”
توقف الرجل على الفور وهو يهتف "مهلاً.. لا تطلقوا النار..”
اقترب منه أحد الجنود متحفزاً بسلاحه والرجل رافع يديه، ثم قال بصوت هامس عندما اقترب منه الجندي "أنا العميل ثلاثة..”
لم يعلق الجندي وهو يفتشه جيداً، ثم دفعه ليقترب من الدورية والقائد يهبط منها قائلاً بصرامة "من أنت؟ وما الذي تريده؟"
اقترب منه الرجل لاهثاً وقال محاولاً تمالك أنفاسه "أنا العميل ثلاثة.. هناك أمر أردت أن تعرفوه..”
وأشار لجهة ما خلفه قائلاً بعينين متسعتين "هناك منزل خالٍ في جانب هذا الحي.. وقبل قليل، رأيت خمسة رجال ملامحهم وتصرفاتهم مريبة يدلفون المنزل، فتبعتهم على الفور بعد أن لاحظت أنهم جميعاً يحرصون على إخفاء أعناقهم..”
ارتفع حاجبا القائد وقد أبدى اهتماماً، فأضاف الرجل "لقد تنصت عليهم.. كانوا يحيطون برجل بينهم، وسمعتهم يتهمونه بالخيانة.. ويبدوا أنهم ينوون إعدامه في المنزل جزاء خيانته..”
قال القائد مقطباً "ولماذا هنا؟"
قال الرجل بشيء من العصبية "لا أدري.. أسرعوا إن أردتم القبض عليهم قبل هربهم.. ولو استطعنا إنقاذ ذلك الرجل من أيديهم فلاشك أنه سيكون ذا فائدة عظيمة لكم بعد أن قرر رفاقه قتله..”
بإشارة من القائد، انطلق الجنود الأربعة خلف الرجل الذي ركض عائداً من حيث أتى، بينما رفع القائد تقريره بكلمات سريعة قبل أن يقبض على سلاحه وهو يتبع جنوده عبر ذلك الشارع، ثم اخترقوا الحي عبر زقاق ضيق قادهم لمنطقة مهملة من الحي وفي جانبها رأوا منزلاً قديماً يبدو مهجوراً مع علامات الإهمال الواضحة في بابه الخشبي المخلوع ونوافذه المحطمة.. فقال القائد لرجاله قبل أن يقتربوا من المنزل "سنحيط بالمنزل ونقتحمه مع إشارتي.. لا تدعوا أحداً منهم يفلت.. وحاولوا أن تحافظوا على حياة ذلك الرجل قبل أن يقتلونه..”
انطلق الجنود بصمت تام يحيطون بالمنزل الذي بدا خالياً تماماً من الخارج، بينما قال العميل لقائد الدورية "يحسن أن أبتعد لئلا يراني الثوار ويكشفوا تعاوني معكم"
لم يعترض القائد وهو يتقدم من المنزل بدوره بصمت مع الجنود.. ولما أعطاهم إشارة البدء، اقتحم الجنود المنزل من أبوابه الأمامية والخلفية ومن نوافذه الجانبية المحطمة وهم يفتشون غرفه بسرعة ومهارة.. ووسط المنزل، رأى الجنود عند اقتحامهم الرجال الأربعة يحيطون برجل آخر يركع وسطهم والرعب يبدو على وجهه من الأسلحة التي وجهها الآخرون إليه.. وما إن دخل الجنود، حتى ارتفعت الأسلحة في وجوه الرجال وتطايرت الأشعة بغزارة، لكن الرجال سارعوا للاحتماء بالأثاث المهمل القريب دون أن تصيبهم الأشعة إلا بإصابات متفرقة.. وسرعان ما دوّت الرصاصات والرجال يبادلون الجنود إطلاق النيران.. أما الرجل الذي كان راكعاً، فقد نهض بسرعة وركض محني الظهر بعيداً عن الإطلاق محاولاً الهرب من أقرب نافذة مستغلاً هذه الفرصة.. لكن قائد الدورية قبض عليه قبل أن يفلح في ذلك وجرّه بعيداً عن الإطلاق قائلاً "ليس بهذه السرعة يا هذا..”
رفع الرجل يديه برعب وهو يرمق سلاح القائد الموجه إليه، وقال بذعر "هل ستقتلني أنت أيضاً؟"
لم يعلق القائد وهو يقيد يديه خلف ظهره بينما الإطلاق مستمر في وسط المنزل.. ثم فوجئ الجنود بأحد الثوار يلقي عليهم قنبلة صغيرة انفجرت بقوة محدودة مثيرة سحابة من الغبار والشظايا تتناثر في مساحة محدودة من الموقع.. إنما كان تأثيرها محدوداً فلم يصب الجنود الذين احتموا من انفجارها بأي ضرر يذكر..
ظل الجنود متحفزون وهم يراقبون الموقع، ولما انقشعت سحابة الغبار من وسط المنزل، رأوا الموقع خالياً من أي رجل.. فركض الجنود بإشارة من قائدهم محاولين تتبع الثوار الذين استغلوا تلك المعمعة الصغيرة للهرب من المنزل من نوافذه القريبة.. بينما قال القائد عبر جهاز الاتصال "نريد مساندة من الدوريات القريبة في الحي الغربي.. عثرنا على أربع من الثوار تمكنوا من الإفلات من أيدينا.. أريد محاصرة الحي والبحث عنهم في أرجائه..”
جاءه الرد عبر الجهاز "سأرسل لك ثلاث دوريات هي الأقرب إليكم.. حاولوا ألا تدعوهم يفلتون..”
أنهى القائد الاتصال وهو ينهض الرجل الذي ركع أرضاً عند الانفجار، فقام بتفتيشه من فوق ملابسه بشكل سريع ليتأكد من أنه خالٍ من الأسلحة والرجل يغمغم بذعر "ما الذي ستفعلونه بي؟"
لم يجبه القائد وهو يكشف جانب عنقه ليرى ذلك الشعار مستقراً هناك.. فقطب القائد متسائلاً "لم حاول الثوار قتلك؟"
كان الخوف ممزوجاً بالتوتر يبدو جلياً على وجه الرجل، ثم قال بقلق "لقد اتهمونني بأنني خائن.. وكانوا ينوون إعدامي لولا قدومكم قبل لحظات"
فقال القائد وهو يقوده أمامه خارجاً من المبنى "ولماذا في هذا المنزل الخالي؟"
قال الرجل بعصبية "ليتخلصوا من جثتي بعيداً عن المخبأ، الأوغاد لم يهتموا بحياتي البتة"
قال القائد وهو يعود به نحو مركبة الدورية "إذن من حسن حظك أننا عثرنا عليك قبل ذلك..”
لم يعلق الرجل وهو يتلفت حوله بقلق شديد.. ولما وصل القائد للمركبة تلقى اتصالاً من أحد جنوده قائلاً "لقد أفلت الرجال من بين أيدينا.. لكن اثنان من الرفاق يلاحقان بعضهم وقد يتمكنون من القبض عليهم ببعض المعاونة"
فقال القائد "بعض الدوريات قادمة للمساعدة.. حاصروهم ولا تفلتوهم هذه المرة..”
ثم دفع الرجل ليصعد المركبة وقام بتقييده فيها لئلا يتمكن من الهرب، فقال الرجل بقلق "ماذا ستفعلون بي؟"
قال القائد وهو يميل نحوه "هذا مرهون بتعاونك معنا.. هل تريدنا أن نقتلك لأنك من الثوار؟ أم تريد أن نطلقك ليقوم الثوار بذلك؟"
اتسعت عينا الرجل برعب، فابتسم القائد وهو يقول "لو تعاونت معنا، فنحن نضمن حمايتك.. لن نمكـّن الثوار من النيل منك، وأنا متأكد أن القائد ستيفان سيجازيك بأكثر مما تتوقع..”
بدت اللهفة واضحة على عيني الرجل دون أن يعلق.. عندها قال القائد بصرامة "أين مخبأ الثوار؟ أريدك أن تدلنا عليه، وعلى أي مواقع أخرى يستخدمونها..”
خفض الرجل رأسه بتوتر شديد، فقال القائد مقطباً "لو تمكنا من القضاء على الثوار، فسيعني هذا أنك ستكون بمأمن منهم.. أليس كذلك؟"
رفع الرجل رأسه بعد بعض التفكير وقال للقائد بلهفة "أريد رؤية القائد ستيفان..”
رفع القائد حاجبيه بدهشة قبل أن يقطب قائلاً "لن يحدث ذلك قبل أن تتعاون معنا.. أخبرنا ما نريد معرفته، وستحصل على كل ما تريده"
قال الرجل بإصرار "لن أتحدث إلا بوجوده.. خذني إليه وسأخبركم بكل ما تريدونه"
رفع القائد سلاحه ووضعه على عنق الرجل قائلاً بحدة "أتجرؤ على ما تقوله؟ يمكنني قتلك هنا والآن"
قال الرجل دون أن يتراجع "أنت الخاسر لو فعلت.. لكنني لن أربح شيئاً لو تحدثت هنا فما يدريني لعلك تقتلني بعدها.. أريد مقابلة القائد ستيفان، لن آخذ إلا وعده بحمايتي، وعندها سأتحدث بكل شيء..”
ظل القائد ينظر له بغيظ، ثم تناول جهاز الاتصال وتحدث عبره دون أن يفهم الرجل شيئاً وهو يتلفت حوله ملاحظاً بعض الرؤوس التي تبدت فوق أسطح المنازل القريبة.. لكنه لم يعلق والقائد يلتفت إليه قائلاً بصرامة "سآخذك لمبنى الدوريات، لكن لن تكون نهايتك سعيدة لو رفضت التعاون معنا بأي شكل من الأشكال"
لم يعلق الرجل وهو يرى جنديين من الجنود يعودان ليصعدا المركبة مع القائد، الذي قاد المركبة مبتعداً عن الحي الغربي ومتجهاً لمبنى الدوريات الذي كان على شيء من المبعدة، تاركاً لبقية جنوده أمر ملاحقة الثوار..
وفي موقع قريب، فوق سطح أحد المنازل المطلة على ذلك الشارع، اقترب أحد الثوار بسرعة وبرفقته رجل لم يكن إلا العميل ثلاثة من روباك الذي ربض فوق المنزل يراقب الدورية في ابتعادها، وقال العميل "لقد ابتلعوا الطعم بسهولة..”
فقال الرجل الآخر "لقد نجح رفاقنا في الإفلات دون إصابات خطيرة.. الآن علينا التراجع للمخبأ كما تقتضي الخطة..”
صمتا ملاحظين النظرات القلقة التي يلقيها روباك على مركبة الدورية، فتساءل الرجل "وأنت.. ما الذي ستفعله؟"
سمع روباك يغمغم بقلق "هذا خطأ.. ما نفعله خطأ..”
رفع الرجل حاجبيه وهو يبادل العميل تساؤلاً صامتاً، لكن روباك نهض فجأة شادّاً بيده على سلاحه وقال "أنا لن أتركه يذهب وحيداً..”
قبض الرجل على ذراعه قبل أن يذهب وقال بقلق "ما الذي ستفعله؟ التزم بالخطة لئلا نخسر كل شيء..”
قال روباك مقطباً "تراجعوا أنتم إلى المخبأ.. أنا سأذهب إلى هناك لأرى ما سيفعله ذلك المجنون..”
اعترض العميل "لكنك تعارض أوامر هان.. لن يكون سعيداً بهذا..”
قال روباك بحزم "لا يهمني.. تراجعوا أنتم ولا تتدخلوا في الأمر..”
قال الرجل الآخر بإصرار "مستحيل.. إن كنت ستفعل شيئاً، فنحن معك.. بدأنا هذه المهمة معاً وسننهيها معاً"
فغمغم العميل "بودي أن أكون معكم حقاً.. لكن هان أصرّ عليّ ألا أكشف نفسي أبداً..”
زفر روباك بحدة وقلق، لكنه لم يعلق وهو يستدير مغادراً الموقع والرجل في إثره بشكل حثيث..


************************

في مبنى الدوريات، وفي القاعة الصغيرة التي يؤدي إليها مدخل المبنى، تأمل ستيفان ملامح الرجل الذي تم القبض عليه، وقد قدم للقائه فور أن أبلغوه بوصوله للمبنى.. لم يكن ذلك الرجل إلا سيث الذي وقف بصمت وستيفان يتأمل الوشم على عنقه وابتسامة ظفر تعلو شفتيه وهو يقول بلغة أهل كوميت "أخيراً، أمسكنا بأحد أولئك الأوغاد.."

قال سيث وقد زالت كل ملامح القلق والذعر من وجهه “ألم تعدني بالحماية؟”
قال ستيفان بهزء “حمايتك؟ لأجل ماذا؟”
ومال تجاهه وهو يقول بسخرية “أنت ستخبرني بكل ما أريد معرفته وأنت صاغر.. لا يهمني ما سيجري لك، قدر اهتمامي بما تحمله من معلومات..”
بادله سيث النظرات الساخرة قبل أن يقول "ستظل وغداً لآخر لحظة في عمرك.."
اتسعت ابتسامة ستيفان وهو يعلق "قل ما يحلو لك.. سنرى ما ستقوله بعد الاستجواب الذي ستخضع له.."
لم تبدُ على ملامح سيث أي لمحة قلق أو توتر، بينما استدار ستيفان لمن خلفه من الجنود مضيفاً "ألم تقبضوا على البقية بعد؟"

أجاب قائد الدورية الذي وقف قريباً “لقد تمكن الجنود من القبض على بعضهم.. إنهم هنا.."
دار سيث ببصره حوله يدرس الموقع الذي هو فيه دون أن يفهم حديث ستيفان مع الجندي.. وعندما سمع أصواتاً من خلفه، استدار ليفاجأ ببضع جنود يجذبون بقية الثوار ومن بينهم روباك، وبدا له من ملامح روباك الهادئة رغم القلق فيها أنه قد تعمد الوقوع في أيديهم.. فقطب سيث بسخط وهو يفكر بوضعه الجديد.. كان من المفترض أن ينفذ الجزء الخاص به من الخطة وحيداً، ولم يكن من المفترض بالبقية أن يكونوا هنا في تلك الأثناء.. الخطة كلها تعتمد عليه بشكل جذري دون الحاجة لوجود آخرين، وقد كان حظه حسناً عندما وافق ستيفان على لقائه بهذه السرعة.. لكن الآن، غدت الأمور أصعب مع وجود البقية قريبين منه..

نظر روباك بتوتر لسيث الذي أدار بصره نحو ستيفان مجدداً ليسمعه يقول "إذن؟ ماذا لديك بعد لتخبرنا؟.. لا تنس أنني أملك غيرك الكثير، لذلك حياتك لا تهمني الآن حقاً.."
صمت سيث محدقاً في عيني ستيفان ببغض شديد، ثم قال وابتسامة ترتسم على شفتيه "أنت ستموت ككلب قذر الليلة"
ضحك ستيفان ضحكة مجلجلة تردد صداها في القاعة قبل أن يقول "ومن سيكون له شرف قتلي؟ أنت أيها الحقير؟ وستفعل ذلك بيديك العاريتين؟"
تسللت يد سيث لثيابه، فسارع أحد الجنود القريبين يشهر سلاحه في وجهه صائحاً “أبعد يدك ولا تأت بحركة"

تجمد سيث في مكانه للحظة، بينما رفع ستيفان يده للجندي قائلاً “ألم تفتشوه جيداً قبل إحضاره؟"
قال قائد الدورية “بلى سيدي.. تأكدنا أنه خالٍ من أي سلاح"
فقال ستيفان وابتسامة تتلاعب على شفتيه “إذن اتركوه.. فليبهرني بما ينوي فعله"
علق سيث وهو يفتح معطفه الغليظ “مشكلتك أنك أحمق، وتثق بحمقى مثلك"
نظر له ستيفان بنظرة هازئة وسيث يكشف ما تحت معطفه، ففوجئ ستيفان بأن سيث كان يحمل عدداً من القنابل يدوية الصنع حول جسده، قنابل تم صنعها مسطحة قدر الإمكان بحيث لا تبدو بارزة وقد لفها سيث بغطاء سميك من الأقمشة تحت معطفه بحيث لم تبدُ بوضوح للجندي الذي قام بتفتيشه من فوق الملابس، ولا يظهر منها إلا جزء بسيط من رأسها.. ولما رأى روباك من موقعه القنابل، اندفع متخلصاً من الجنود قربه هاتفاً "سيث.. لا تفعل"
سمع سيث يقول “سامحوني يا رفاق.."
رأى ستيفان يتراجع خطوة وقد اتسعت عيناه بهلع بعد أن رأى ما يحمله سيث حول جذعه، والجنود يتراجعون بدورهم وهم يرفعون الأسلحة في وجهه في محاولة لقتله قبل أن يفعل أي شيء، لكن سيث لم يمهلهم وهو يضغط في يده على جهاز صغير وابتسامة ظافرة تبدو على شفتيه.. وفي جزء من الثانية، دوّى ذلك الانفجار الكبير في موقع سيث والذي أطاح بستيفان وعدد كبير من الجنود القريبين منه، ودفع بالعديد ممن حوله للخلف أمتاراً، وتسبب بتحطيم الأثاث القريب وقطع منه تتطاير لتصيب من كان قريباً منها..
انتشرت بعدها سحابة من الدخان غطت القاعة كلها بحيث أصبحت الرؤية عسيرة، و ساد شيء من الهدوء إلا من بعض الأنين الصادر ممن أصابهم الانفجار بجراح مختلفة.. نهض روباك بعسر شديد بعد أن أوقعه الانفجار أرضاً، ومد يده لجانب وجهه الأيسر يمسكه بألم شديد منثنياً على نفسه بينما اقترب منه أحد الرجال هاتفاً "أنت بخير يا روباك؟ لنهرب قبل أن يمنعنا الجنود.."
سمعا هسيس الأشعة من خلفهما وصياحاً متألماً عندما أسرع الثوار بالاستيلاء على بعض الأسلحة للقضاء على من بقي من الجنود في تلك القاعة.. لكن روباك لم يعلق محاولاً تمالك ألمه، ولما دقق الرجل في إصابته التي أكلت جانباً من وجهه حول عينه اليسرى والدماء تغرق ذلك الجانب بسخاء، قال بصدمة "تباً.. ما الذي فعل بك ذلك؟"
غمغم روباك مقاوماً الألم العارم "شظية أصابت وجهي أثناء الانفجار.."
قال الرجل بقلق "وعينك؟ أهي بخير؟"
أجاب روباك بعد لحظة صمت "لا.. يبدو أنها انتهت تماماً"
علت الصدمة وجه الرجل فيما نظر روباك حوله بعينه السليمة للمعمعة التي حدثت.. للأجساد التي فقدت أرواحها.. للدماء.. للأشلاء المتناثرة.. وقال بمرارة وألم شديدين "اللعنة.. لماذا فعل هذا؟"

رأى جسد ستيفان الغارق في دمائه ووجهه الذي تغيّرت ملامحه بشدة ملقى بين الأشلاء، لكنه للعجب لم يسعد لهذا المنظر الذي كان يحلم به منذ زمن طويل.. كيف يسعد به مع من فقده في سبيل تحقيق ذلك؟..
أعانه الرجل على السير مبتعدين عن الموقع وهو يقول بتوتر "يجب أن نرحل بسرعة.. من الجيد أن إصابات بقية الرجال سطحية"
لكن عدداً من الجنود قد اقترب من القاعة بعد أن جذبه صوت الانفجار.. فسارع من بقي حياً وسليماً من الثوار بالإحتماء بالأثاث المحطم والمتناثر في المكان وهم يتبادلون إطلاق النيران مع الجنود قرب مدخل المبنى بعد أن استعادوا أسلحتهم التي استولى عليها الجنود سابقاً.. وفي الجهة الأخرى من القاعة المؤدية للطوابق العلوية من المبنى تجمع المزيد من الجنود مما أوقع الثوار الذين لا يتجاوز عددهم الستة في وسط المعركة والجنود من الجهتين يهددون بالقضاء عليهم مع اقتراب المزيد من الجنود بين لحظة وأخرى.. اختبأ روباك بدوره خلف طاولة حديدية كبيرة حمته من الأشعة وهو عاجز عن فعل شيء مع الدماء التي تغرق وجهه والألم الذي يعصف برأسه، بينما الرجل جواره يطلق النيران بعشوائية على الجنود البعيدين.. همس روباك بمرارة وغصة تسدّ حلقه "لماذا فعلت ذلك يا سيث؟ لماذا يجب أن تكون النهاية بهذه الطريقة؟"
سمع الرجل قربه يقول بتوتر شديد "إن لم نفلح بالهرب بسرعة فسيقضي علينا الجنود.. كل دقيقة تمضي تعني قدوم المزيد منهم"
زفر روباك محاولاً تمالك آلامه، ثم قال "استخدموا المتفجرات لتشقوا طريقكم بينهم.. هذا هو السبيل الوحيد"
تساءل الرجل بدهشة "ومن أين لنا بالمتفجرات؟"
قال روباك وهو يقطع جزءاً من ملابس جندي قريب "ألا تعلم أن أسلحة الجنود هي عبارة عن قنابل محدودة؟"
نظر له الرجل بدهشة وروباك يربط جرحه بشكل مؤقت مضيفاً "مخازن الطاقة التي يحملها السلاح تنفجر إذا تعرضت لطلقة دقيقة من رصاصاتنا.. يمكننا أن نعمل في هذا الاتجاه"

تساءل الرجل بدهشة “كيف عرفت بذلك؟"
أجاب روباك “لقد قمت سابقاً بتجربة على أسلحة بعض الجنود التي استوليت عليها بحثاً عن الطريقة المناسبة لتعطيلها.. وعندما أصبت خزانها انفجرت في وجهي، وأعطتني هذا الجرح في جبيني"
فقال الرجل وهو ينظر للجنود الذين يبادلون رفاقهم إطلاق النار "لكن كيف يمكننا تطبيق ذلك؟ الجنود مختبئون جيداً.. كيف سنصل لمخازن الطاقة بدقة من هذا الموقع؟"
قال روباك "لدينا ما يكفينا هنا"
وتسلل متخذاً الأثاث القريب كغطاء، والتقط أسلحة بعض الجنود ممن قضوا نحبهم في الانفجار.. وبعد عودته، قال لرفيقه ولرجل آخر من الثوار كان يقبع قريباً منهما "سأرمي هذين السلاحين أرضاً نحو الجنود، عند المدخل وفي الخلف.. أريدكما أن تصيبا مخزن الطاقة بدقة قبل أن ينتبه الجنود.. هل يمكنكما ذلك؟"
غمغم أحد الرجلين متردداً "أنت أمهر مني في ذلك.. قد أخطئ التصويب وأفوّت فرصة ثمينة"
قال روباك "يجب أن تكون واثقاً.. أنا لا أستطيع التصويب بدقة وأشعر بزغللة قوية في بصري مع هذه الإصابة.. ابذلا جهديكما"
استعد الرجلان بسلاحيهما، عندها رمى روباك أحد الأسلحة بقوة تجاه الجنود المتحفزين خلفهم، ثم رمى الآخر نحو المدخل وهو يهتف برفيقيه “الآن.."

لم يستوعب الجنود ما يفعله روباك برمي السلاحين اللذين تزحلقا حتى اقتربا من من أقدامهم، بينما أطلق الرجلين رصاصاتهما نحو خزان الطاقة في كل سلاح.. ومع الرصاصات المتناثرة، نجحت إحداها في إصابة الخزان في كل سلاح بدقة، فانفجر السلاحان بدوي محدود مطيحاً بالجنود القريبين بإصابات متفاوتة مع سحابة من الدخان غطت بقعة لا بأس بها من كل موقع.. ومع الانفجار، صاح روباك برجاله "الآن شقوا طريقكم بينهم.. وفور الخروج من المبنى تفرقوا في أحياء المدينة ولا تسلكوا طريقاً واحداً"
لم يتمهل الرجال في تنفيذ أمره وهم يستغلون البلبلة التي حدثت بسبب الانفجار المحدود.. فأسرعوا يتخطون المسافة القصيرة بين الجنود الجرحى وهم يطلقون النار على من يقف في طريقهم.. وأسرع الرجل القريب من روباك بمعاونته على الخروج من المبنى وهو شاهر سلاحه تحسباً لأي هجوم من الجنود..
وبعد معركة صغيرة بين الجنود ومن تقدم من الثوار، كان الثوار قد أفلحوا بالهرب من المبنى قبل وصول أي إمدادات من الجنود قد يعيقون هربهم.. فتركوا ما خلفهم من دمار أحاق بالمبنى والجنود، وذابوا وسط أحياء المدينة التي أخفتهم ببراعة.. وقد بدأ الليل ينشر عباءته المظلمة على الموجودات، مسجلاً نصراً جديداً للثوار، رغم ما شاب ذلك النصر من تضحيات لا تعوّض..


************************


شعر خالد في غرفته باهتزاز قوي رجّ المبنى بأكمله مما دفعه ليعتدل في سريره وهو ينظر حوله بصدمة.. لم يكن ذلك إلا نذيراً سيئاً.. فأسرع ينظر من النافذة ليرى تدافع الجنود نحو مدخل مبنى الدوريات حيث بدأوا إطلاق النيران، على أشخاص داخل المبنى لا خارجه، مما زاد من تعجب خالد أكثر.. أسرع يحمل سلاحه ويركض خارجاً من الغرفة لينزل درجات السلم المؤدية للأسفل ركضاً وهو يغمغم "يبدو أن كارثة قد حدثت في المبنى.. ولابد أن الثوار هم خلف ذلك"
نوعاً ما شعر بالحماس لمقابلة أحد من الثوار، متغافلاً عما قد ينتج من وراء مقابلة كهذه خاصة في هذه الأجواء.. ولما وصل للأسفل وتوجه لموضع الانفجار، راعه ما رآه من دمار طال تلك القاعة وجانباً من الجدار المؤدي للخارج.. كانت هناك الكثير من الأشلاء، من المحليين ومن الجنود على حد سواء، والدماء تغمر بقعاً كبيرة من الأرض ورائحة الموت تزكم الأنوف..
رأى أيضاً الجنود الذين أصيبوا في المعركة المحدودة مع الثوار الذين لم يبق لهم أثر، فأسرع لمعاونة الأحياء منهم وهو يسأل "ما الذي جرى هنا؟"
قال أحد الجنود محاولاً تمالك آلامه من جرح أصاب كتفه وجزءاً من ذراعه "الثوار الأوغاد.. لا أعلم كيف استطاعوا ذلك، لكنهم قاموا بتفجير عدد من القنابل وسط المبنى أطاحت بستيفان وعدد كبير من جنودنا.."
صعق خالد لما يسمعه، فتساءل بعدم فهم "ستيفان؟.."
قال الجندي بغضب وهو يحاول الوقوف "أجل.. تلك الشرذمة قد تمكنت من القضاء على القائد وعلى رفاقنا.. لكننا لن نسكت على هذا أبداً"
لم يعلق خالد وهو يعاونه على النهوض، ثم يسرع لجندي آخر ليساعد على تضميد جراحه بشكل مرتجل ونقله للمستشفى قبل أن تسوء حالته.. ورغم كرهه للدماء، إلا أن خالد لم يحزن لمثل هذا الخبر.. لا يمكن أن يقول إنه سعد به، لكنه نوعاً ما شعر بالعدالة في ما جرى.. لقد أذاق ستيفان سكان المدينة عذاباً كبيراً منذ قدومه، وقتل الكثيرين دون جريرة، فلا عجب أن ينال جزاءً مناسباً على ما فعله.. لا يمكن لشخص قضى أوقاته في ابتكار قوانين تحيل حياة السكان لجحيم، وفي التلذذ بعقاب من يخالف قوانينه، أن يتوقع نجاته من غضبة الثوار ولو بعد حين..
ورغم آرائه تلك، إلا أن خالد التزم الصمت ولم يصرح بها وهو يعاون الجنود مع آخرين قدموا بعد أن سمعوا الانفجار الذي اندلع في المبنى.. وقد استغرقهم التخلص من كل الفوضى التي عمّت المكان وقتاً غير قصير..
************************


في المقر، كانت فرحة الثوار بالنصر لا مثيل لها.. ورغم حزنهم على من قضى نحبه، لكن تخليص المدينة من شيطان كستيفان كان أكبر من أن يغطيه أي حزن.. وبينما كان جمع الثوار متحلقاً حول هان يدلي بآخر أخبار العملية الناجحة ويحصون خسائرهم وموتاهم، كان روباك يجلس في العيادة التابعة للمقر يغمض عينه السليمة دون أن يظهر ألماً وميا تعالج الإصابة في وجهه محاولة ألا تزيد من ألمه، مع غياب رستين الذي رحل منذ الصباح لإحضار ما يلزمهم من معدات وأدوية جديدة.. لكن عندما أصدرت ميا بعض الضوضاء بإسقاطها زجاجة دواء أرضاً، فتح روباك عينه السليمة وتطلع إليها ملاحظاً ارتجاف يديها وتغيّر وجهها.. فتساءل بهدوء "هل يؤذيك منظر إصابتي؟"
قالت باضطراب "قطعاً لا.. لكنني لا أتحمل رؤيتك هكذا.. هذه إصابة شنيعة.. لقد فقدت عينك اليسرى ووجهك مصاب بجروح بليغة"
قال روباك "ليس هذا ما يطلق عليه بالشنيع.. أنت لم تري شيئاً بعد.. ولو كنت مرهفة الاحساس لهذه الدرجة فأنصحك بالاعتذار عن هذا العمل.."
احتجت وهي تقبض يديها بشدة محاولة منع ارتجافتهما "لا تهمني الدماء.. لست معتادة عليها بشكل كبير لكنني لن أهلع لرؤية أقل قدر منها.. لكن..... لكني لا أتحمل رؤيتك مصاباً بهذه الشدة.."
وجلست وهي تغطي وجهها بيديها "أتمنى لو لم تصرّ على الذهاب في هذه العملية بالذات.. فمع تهورك من المستحيل أن تعود بلا إصابات.. والآن، لا يمكنني فعل شيء لتخفيف آلامك مع الإمكانيات الضعيفة لدي.. فما الذي أستطيع فعله حقاً؟"
عاد روباك يقول "مازلت أراك لا تصلحين للعمل معنا.. كيف تتوقعين أن يكون عمل الثوار؟ طريقنا ليس آمناً ولا تفوح منه رائحة الورد بالتأكيد.. إن كنت تكرهين رائحة البارود وتشمئزين من رؤية الدماء، فمكانك ليس هنا.."
نظرت له ميا باضطراب، ثم نهضت وعادت إلى أدواتها قائلة بتصميم "لن أترككم أبداً.. أفضل البقاء هنا وسأدعمكم في عملكم دون تذمر في المرة القادمة.."
استمرت في علاجه ملاحظة ابتسامة جانبية على وجه روباك الذي قلّ ما يبتسم، ثم سمعته يقول "الآن يمكنني أن أقول إنك ابنة أبيك.. مواجهة ما يصيبك بالذعر بقوة وتحمّل هو ما يميز الشجاع من الجبان.. فكوني شجاعة ولا تجعلي شيئاً تافهاً يثنيك عن طريقك أبداً.."
نظرت إلى جرحه البليغ مغمغمة بألم "تافهاً؟ لا أظنك ستقول الأمر ذاته لو كان هذا الجرح فيّ أنا.. أليس كذلك؟"
قال بتصميم "أنا رجل.. هذه الجراح هي ما تميزني عن الجبناء الذين يملؤون الشوارع في النهار وينزوون في جحورهم كالفئران في الليل.."
علـّق دانتين من خلفهما "أليست هناك طريقة لإثبات شجاعتك إلا بجرح كهذا؟ في هذه الحالة فأنا أتنازل عن وسام الشجاعة هذا لك"
نظرت إليه ميا قائلة "أليست هناك طريقة أخرى لمواساته؟"
لم يعلق روباك على قوله وهو يصمت بانتظار أن تنتهي ميا من عملها، بينما قال دانتين وهو يجلس قريباً "هان يريد رؤيتك يا روباك.. فلا تتأخر عليه بعد انتهاء ميا من عملها.."
لم يعلق روباك مستسلماً لميا التي حاولت قدر الإمكان تجنيبه المزيد من الآلام وهي تنظر إلى وجهه مشفقة.. جرحه بالغ السوء، ومع ذلك فهو يبدو متجلداً بشكل لم تتوقع أن تراه في أحد وكأنه مصاب بخدش بسيط.. ربما هذا ما زاد من حزنها، كونها تراه لا يشارك أحداً آلامه وانفعالاته.. رغم ما اشتهر به من عزم وكونه محط ثقة هان والآخرين، فهي تجده وحيداً منعزلاً عن البقية.. ولا تستطيع فهم السبب.. بودها لو تزيل وحدته كما استطاع إزالة وحدتها بعد موت أبيها.. من تعرفت إليهم من الثوار قد ساعدوها جميعاً لتخطي الأزمة التي كادت تفقدها صوابها، لكن روباك بالذات كان دافعاً لها للتقدم للأمام ونسيان أحزانها.. وهي تتمنى لو تستطيع مساعدته كما ساعدها..
بعد أن انتهت، وقد ربطت جانب وجهه بضماد غطى الجرح، جلست قريبة من روباك وأمسكت يده بيديها.. فنظر إليها بصمت ليراها تواجه عينه برجاء قائلة "روباك.. أرجوك انتبه لنفسك أكثر.. لا تقحم نفسك في المخاطر دون سبب، ولا تؤذِ جسدك أكثر مما آذيته.."
ابتسم روباك وهو يربت على يدها قائلاً "يا فتاتي.. ما تطلبينه مستحيل.. لكني أعدك أن أحاول"
علق دانتين الذي كان قريباً "الخطر هو كالهواء بالنسبة لروباك.. سيختنق لو لم يواجه أي مخاطر كل يوم"
نظرت له ميا بحنق، بينما لم يعلق روباك وهو ينهض مغادراً بصمت كعادته.. فقالت ميا بشيء من الغيظ لدانتين "لماذا تحب أن تلقي بمثل هذه التعليقات الهازئة كلما رأيت روباك؟"
قال دانتين ماطاً شفتيه "أحاول إخراجه من هذا البرود الذي يتصف به.. لكنه لا يستجيب لمحاولاتي البتة"
صمتت ميا وهي تنظر حيث اختفى روباك، ثم غمغمت "يبدو روباك حزيناً جداً.."
نظر لها دانتين بدهشة متسائلاً "هل أخبرك بشيء؟"
هزت رأسها نفياً وقالت "لا.. لكني شعرت بذلك رغم صمته.. بدا لي حزيناً بشدة وإن غلـّف هذا ببرود تام كالعادة.."
تنهد دانتين معلقاً "لابد أنه بسبب مقتل سيث.."
نظرت ميا له بدهشة ودانتين يضيف "سيث شخص عزيز على روباك كثيراً.. منذ انضمامهما للثورة فهما قد عملا معاً في كثير من المهام.. وقد بدا أن صداقة قوية قد بدأت تجمعهما.. لكن سيث أصرّ على القيام بهذه العملية رغم خطورتها، وأصر أن يكون هو في وجه المدفع، رغم معارضة روباك لذلك بشدة.."
همست ميا بإشفاق "لابد أنه يتألم لما جرى.."
نهض دانتين معلقاً "لا عليك.. سيعود بأفضل مما كان قريباً.. هذا شيء طبيعي في عملنا كثوار.."
وخرج من الغرفة تاركاً ميا تلملم عدتها الغارقة في دماء روباك وحزن يتملكها.. من الصعب على المرء فقدان شخص عزيز عليه حتى لو كان معتاداً على هذا ويتوقعه في كل يوم.. والأسوأ أن روباك لا يشارك أحداً مشاعره تلك، بل ينعزل عن البقية ولا يبدو إلا بصمته المعتاد وكأنه لا يهتم.. لكنها متأكدة أن قلبه يحترق كمداً على من فقده.. ولا يمكن أن تزول تلك المرارة بسرعة أبداً..
وجدت ميا نفسها ترمي ما بيدها وتسرع خارجة بحثاً عنه.. لا تدري ما الذي تنوي فعله، لكنها شعرت أنها يجب أن تجده.. يجب أن تكون قريبة منه في هذه اللحظات بالذات.. دون أن تدري ما الذي يمكنها أن تفعله لتزيل حزنه ذلك..
في تلك الأثناء، كان روباك يقف في مواجهة هان الذي اجتمع مع بقية الثوار، وفور أن رآه قال "جيد أن أتيت يا روباك..........”
قاطعه روباك بشيء من الحدة "لماذا وافقت على ما فعله سيث؟ أكنت حقاً تعلم أنه سيفجّر نفسه بهذه الطريقة؟"
صمت هان وهو يراقب ملامح روباك التي كانت تنضح بالغضب، وإزاء صمته قال روباك بحدة أكبر "لماذا؟ كيف تضحّي بأفضل رجالك بهذه الطريقة؟ لماذا رضيت بأن يفقد حياته لأجل رجل خسيس كستيفان؟ أترى حياتيهما متساويتان؟"
قال هان بحزم "قطعاً لا.. رجالنا يضحّون بحياتهم كل يوم لأجل قضيتنا، فما الذي يمنع أن يحقق سيث لنا مطلباً غالياً حتى لو أفقده ذلك حياته؟ ثم إنها كانت فكرته، وهو قد هددني أنه سينفذها بموافقتي أو بدونها"
قطب روباك وهو يقول بمرارة "لماذا لم تخبرني بعزمه ذلك؟ كنت أستطيع أن أقنعه بأن يكفّ عن ذلك الجنون.. لو أنك فقط أخبرتني.........”
قال هان "ألا ترى في غضبك هذا بعد موته إساءة له؟ المفترض أن تفرح بأنه قد حقق هدفه ولم تضِعْ حياته سدىً"
أشاح روباك بوجهه وهو يستدير مغادراً على الفور.. فغمغم أحد الرجال حول هان "تلك كانت صدمة كبيرة لنا..”
قال هان "المهم أن سيث سعيد بما فعله.. هذا هو المهم في الأمر..”
أما ميا، فبعد أن بحثت عن روباك دون فائدة في المخبأ، خرجت من مخرج المخبأ الأقرب لموقعهم والمؤدي للغابة القريبة أملاً في أن تجده هناك.. وفور أن فعلت وجدته بالفعل يجلس تحت إحدى الأشجار بصمت وهو يسند رأسه لجذعها ويغلق عينه بسكون.. لم يهتم حتى بإبدال ملابسه التي غمرتها الدماء، ولم يعبأ بميا التي اقربت منه بصمت حتى جلست قريبة وهي تنظر له بإشفاق دون أن تتحدث.. شعرت أنه بحاجة لها قربه، بحاجة لمن يواسيه، ولم تستطع الكلمات أن تواسيه بشكل فاعل، لذلك فضلت الصمت في الوقت الحالي..
بعد صمت طال بينهما، فتح روباك عينه ونظر لها بشيء من التعجب قائلاً "ما الأمر يا ميا؟ أهناك خطب ما؟"
قالت ميا بابتسامة "لا.. لكن شعرت أنك بحاجتي، ولم أستطع ألا أكون بجانبك في هذا الوقت"
رفع حاجبيه بدهشة وتساؤل، فقالت وهي تمسك يده بيديها وتضغط عليها "أأنت حزين بسبب سيث؟"
نظر لها بصمت للحظات ومشاعر تعتمل في عينه بوضوح، ثم عاد يسند رأسه لجذع الشجرة ويغمض عينه مجيباً "هذا أمر قد اعتدته منذ عملت في الثورة.. لا تشغلي نفسك بي"
قالت ميا بإصرار "أنت غير صادق معي.. لماذا تحاول إخفاء حزنك هذا وتدّعي أنك لا تهتم؟"
علت شفتي روباك ابتسامة أدهشتها دون أن يعلق أو ينظر إليها.. فظلـّت في موقعها تنظر له بصمت وهي تشدّ على يده بيديها.. احترمت حاجته للصمت والهدوء، وإن قررت أنها لن تبتعد عنه حتى تشعر أنه قد أصبح أفضل حالاً..
ظلت تتأمل ملامحه الهادئة التي كانت في البداية تراها خشنة مرعبة.. لكنها الآن كلما نظرت إليه تشعر بدقات قلبها تتزايد.. وشعرت بيديها الممسكتان بيده تشتعلان حرارة وكأنها تمسك بلهيب نار لا يخمد.. رغم إنكارها السابق، ولو بشكل ظاهري، إلا أنها تعترف في دخيلتها أنها مهتمة بروباك أكثر من غيره.. منذ عرفته، فإنه جذب اهتمامها وجعلها تلاحقه بعينيها في كل مرة يتواجد معها في موقع واحد.. مع الوقت، أصبحت تميّز صوته ولو بين عشرات الرجال، وتنصت لكل كلمة يقولها باهتمام تام.. لا يقلقها ما يصيب الآخرين من جراح من مهماتهم قدر الذعر الذي يصيبها لرؤية خدش في جسده..
في البدء عَزَت ذلك إلى امتنانها لإنقاذه لها، ولأنه أعانها على تجاوز كل المحن التي مرت بها والوقوف على قدميها بصلابة.. لكن بمرور الوقت، تجاوزت مشاعرها ذلك الامتنان بكثير..
أهو مجرد اهتمام؟.. عادت ترمقه بنظراتها قبل أن تبعد بصرها لتنظر لما حولهما وخداها يحمران بشدة.. لا يبدو أنه مجرد اهتمام عادي.. بل هو أكثر من ذلك.. وإن كانت تخجل من مجرد وصف تلك المشاعر، إلا أن قلبها في دقاته المتلاحقة قد صرّح بذلك بوضوح تام.. تمنت في تلك اللحظة ألا يكون روباك قد سمع هتاف قلبها وأدرك ما يعتمل في صدرها.. أم أن الأفضل لها لو أدرك ذلك؟.. لا تعلم حقاً.. كل ما تعلمه أنها سعيدة بوجودها قربه.. مهما كانت نظرته لها، إلا أنها ستبقى سعيدة أن سنحت لها الفرصة للالتقاء به والاقتراب منه لهذه الدرجة.. تتمنى فقط ألا يفرق بينهما أي شيء.. ألا يأتي اليوم الذي تكفّ فيه عن رؤيته.. عن تأمل ملامحه وسماع صوته الذي يجعل دقات قلبها تتسارع.. عن أن تملك الحق في البقاء قربه والاستمتاع بتلك السعادة الوجيزة...
************************